العدد 22 / آذار 2010

دور التربية
في تعزيز وتحفيز المواطنية

تركز الأهداف العامة للمناهج الدراسية في لبنان على تشكيل المواطن. فقد تم تبني الأقسام المتعلقة بهوية لبنان ووحدته الواردة في الدستور مبدأ أساسياً ومركزياً للمنهاج الدراسي بكامله، كما جرى تحديد أهداف أخرى مثل تكوين المواطن واعتزازه ببلده والالتزام بقضاياه.
لكن بالرغم من هذا التركيز، تبرز عوائق جدية تؤثر على تنشئة مواطنين فاعلين بشكل متكامل من خلال النظام التربوي اللبناني الذي ما زال يفتقر إلى المهارات والمعارف والكفاءات المتعلقة بالمواطنية.


تضمن المادتان التاسعة والعاشرة من الدستور اللبناني حرية التعليم وحرية العبادة، بينما يشكّل التمسك بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان عنصراً رئيسياً من عناصر مقدمة هذا الدستور.
وتنفق الحكومة اللبنانية سنوياً ما يعادل 3% من الناتج المحلي الإجمالي و9,6% من مجموع الإنفاق العام على التعليم. في حين يبلغ مجموع الإنفاق على التعليم العام والخاص 11% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا رقم مرتفع نسبياً. غير أن العائد من التعليم لا يتناسب مع حجم الإنفاق، كما يتضح مثلاً في ارتفاع وتيرة التسرب وإعادة الصفوف في المناطق اللبنانية المختلفة، والتي تتراوح ما بين 22% و48% على التوالي. ويعود هذا التفاوت جزئياً إلى خصائص خدمات التعليم اللبنانية التي يتقاسمها القطاعان العام والخاص والمنظمات غير الحكومية. وتشير أحدث الأرقام إلى أن القطاع الخاص يظل المزوّد الرئيسي للتعليم الأساسي، ففي العام الدراسي 2006ـ2007، كان مجموع تلامذة التعليم الأساسي 917877 تلميذاً منهم 35,5% في المدارس الرسمية و13,5% في مدارس خاصة مدعومة أو مجانية و51% في مدارس خاصة. ومن بين الـ 193129 تلميذاً المسجلين في المرحلة المتوسطة كان 42,4% منهم في مدارس رسمية و57،6% في مدارس خاصة. ويترك ضعف الرقابة على نوعية التعليم المجال مفتوحاً لتفاوت فرص التعليم ذي النوعية الجيدة، كما يتضح في التفاوتات الراهنة في أعداد المتسربين من المدارس في المناطق المختلفة.

المنهج الدراسي: نواقص وفجوات

وقد أظهرت الدراسات التقييمية التي أجريت من قبل المركز التربوي للبحوث والإنماء وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة اليونسكو بأن هناك فجوات قد ظهرت في منهاجي التربية المدنية والتاريخ، وخصوصاً العناصر الضرورية لغرس الوعي المدني وقيم التضامن الإجتماعي والقبول بالآخر وصنع القرار الديموقراطي عند التلامذة. وقد أشارت الدراسة المذكورة إلى أن الأهداف العامة للمنهاج التي أكدت على أفكار المواطنية والهوية الوطنية لم تنعكس إلا بشكل ضعيف في الكتب المدرسية للتربية المدنية والتاريخ. ونتيجة لذلك، فإن الترابط بين الهوية الوطنية ومفاهيم مثل الإنفتاح الثقافي والتعددية غير كافٍ. أما مفاهيم مثل الديموقراطية والحرية والتزامات المواطنية والمشاركة السياسية، وكذلك الأفكار ذات العلاقة مثل الإنصاف وسلطة القانون والعدالة فلا يتم تناولها إلا نادراً.
والأهم من ذلك أنه في حين يجري تعليم التلامذة أهمية بعض هذه المفاهيم، لا يُطلب منهم المشاركة في نشاطات تتيح لهم اكتساب المهارات اللازمة لممارستها. وقد ركّزت المناهج أيضاً على واجبات أو التزامات الأفراد بدلاً من حقوقهم. كما اتسمت بضعف في مجالات محددة مثل أدوار الجنسين الذكر والأنثى.
بالإضافة إلى ذلك، يحاول منهاج التربية المدنية الذي يُدرّس في المدارس اللبنانية اليوم تناول مواضيع متنوعة قد تشجّع المواطن على المشاركة في الأعمال البيئية والمجتمعية والمدنية والإنسانية، إلا أنه يستمر في تجنّب النقاش المفتوح "للقضايا الحساسة". وتشمل هذه القضايا مواضيع مثل الحرب الأهلية، وتشكيل وعمل الأحزاب السياسية في فترة ما بعد الحرب الأهلية، ودور وتاريخ المجموعات الطائفية اللبنانية وعلاقتها بلبنان والوسائل التي تتحدد من خلالها موازين القوى بين المجموعات المختلفة، ومراكز القوة التي تنشئها، وتطورها التاريخي وكذلك معاني الأشكال الخاصة للديموقراطية التي تبناها لبنان. كما يتناول المنهاج أيضاً وبشكل متفاوت عمل أجهزة الحكومة ومؤسساتها الأخرى، مما يجعل من الصعب على التلامذة استيعاب كيفية صنع القرار وإمكانية المساهمة فيه وفي العمل السياسي.
إن تأثير مثل هذه النواقص أمر حاسم لشباب لبنان اليوم. فالمنهاج الذي ينأى عن واقع السياسة المعاصرة لا يمكنه تسليحهم بالمعرفة ووسائل المناقشة والتحليل وتكوين الآراء حول المسائل المختلفة أو حول المجموعات التي يشاركونها البلد. كما أنه لا يزودهم بأدوات التفكير الخلاق بحثاً عن الحلول الممكنة لأية أزمة. وقد يكون لهذه النواقص تداعيات خطيرة في مجتمع متعدد الثقافات والإثنيات مثل المجتمع اللبناني حيث الإنقسامات الطائفية ما فتئت تزداد حدّة.
وقد تفاقمت هذه النواقص بفعل الخلاف المستمر حول كتاب "التاريخ الموحد"، ولجأت بعض المدارس إلى استخدام كتب مرادفة لمنهاج التاريخ الرسمي الذي يعود إلى السبعينات وهو لا يتطرق إلى نحو 35 عاماً من التاريخ المعاصر. ولا تزال المدارس تعتمد الكتب المدرسية التي طُبعت للمرة الأولى العام 1968 للصفوف الثانوية والعام 1970 للصفوف الإبتدائية والمتوسطة، وقد صدرت الأخيرة بالترافق مع المرسوم رقم 14528 المؤرخ 23 أيار 1970. وتعتمد الإمتحانات الرسمية لمن هم في الصف التاسع والبكالوريا اللبنانية على هذه الكتب.
ويبيّن تحليل أُجري سابقاً لمشروع دعم التعليم في لبنان أن هناك خلافاً أساسياً في الثقافة السياسية حول الأسلاف (شخصيات تاريخية جيدة أو سيئة) وحول المحيط الجيوسياسي للبنان (تحديد البلدان الصديقة أو العدوة للبنان). ويترك إغفال مثل هذه الأمور التاريخ الوطني مفتوحاً على التلاعب وإعادة التفسيرات استناداً إلى الأيديولوجيات المتنوعة والأجندات السياسية المختلفة. وتعزز هذه المقارنة الإنقسامات الموجودة بين الجماعات اللبنانية وفي غياب المقاربات البديلة التي تساعد التلامذة على اكتساب المهارات التحليلية والنقدية التي تمكّنهم من تكوين آراء مدركة. وتتعزز الصور النمطية الشعبية المتسربة من البيئات المحيطة بالتلامذة ويتعزز الإختلاف بين المدارس حول ما يتعلمه الأطفال عن الوطن والهوية والقيم المدنية. مما يثبت تأثير هذه الفجوات على قيم ومعارف ومواقف الشباب اللبناني اليوم وعلى إحساسهم بالتاريخ والانتماء، فضلاً عن تسببها بتشوّش أفكارهم عن التاريخ اللبناني وعدم قدرتهم على تحديد زعيم تاريخي واحد في تاريخ لبنان وحنينهم إلى الماضي، وكذلك تدني مستويات مشاركتهم في الأنشطة العامة.
من هنا تبرز الحاجة إلى تحديد الفجوات في النظام التربوي الحالي في ما يتعلق بالتربية المدنية وغرس قيم التضامن الإجتماعي واحترام الآخرين، وهي قيم تشتد الحاجة إليها في بلد يسمه النزاع الطائفي وذكريات حرب أهلية غير بعيدة العهد. كما تبرز ضرورة تعليم وتوعية الناشئة والشباب حول مفاهيم المواطنية والحقوق والواجبات النابعة منها، إضافةً إلى فهمها من المنظور الوطني اللبناني.

تعريف المواطنية

المواطنية أو المواطَنة تعني بمفهومها الواسع الصلة أو الرابطة القانونية بين الفرد والدولة التي يقيم فيها بشكل ثابت، وتحدد هذه العلاقة عادة حقوق الفرد في الدولة وواجباته تجاهها. بالتالي فالمواطن هو الإنسان الفرد العضو الكامل في الدولة، والمواطنية تعني الوضعية القانونية الأساسية في الدولة، ويقف الفرد أمام الدولة كمواطن منتمٍ إلى هذه الدولة قبل أي شيء آخر، لا الطائفة ولا العائلة ولا غيرها من الإنتماءات الأخرى.

حقوق وواجبات المواطن

المواطن فرد، وهذا الفرد هو شخص قانوني يحمل حقوقاً ويتحمل واجبات. في إطار هذه الوضعية يتساوى كل فرد مع الأفراد الآخرين، فكلهم مواطنون متساوون من حيث وضعيتهم القانونية أمام الدولة.
وتنقسم حقوق المواطن إلى:
- حقوق مدنية وسياسية.
- حقوق إقتصادية واجتماعية وثقافية.

أما الحقوق المدنية والسياسية فتشمل:
- حق كافة أفراد البشرية بالحرية والمساواة في الكرامة والحقوق.
- الحق في الحياة.
- الحق في عدم التعرض للتعذيب والعقوبات والمعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطّة بالكرامة.
- الحق بالمساواة أمام القانون.
- الحق في عدم التدخل التعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، أو لحملات على شرفه وسمعته.
- الحق في حرية التنقل واختيار مكان الإقامة داخل حدود دولته.
- الحق في مغادرة أي بلاد بما فيها بلده، وحق العودة إليه.
- الحق في اللجوء هرباً من الإضطهاد.
- الحق في التمتع بجنسية ما.
- الحق في الزواج وتأسيس أسرة بدون أي قيد بسبب الجنس أو الدين.
- الحق في التملك.
- الحق في حرية التفكير والضمير والدين والإعتقاد.
- الحق في حرية الرأي والتعبير.
- الحق في حرية الإشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية.
- الحق في الإشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده.
- الحق في تقلد الوظائف العامة في البلاد.
- الحق في المشاركة في الإنتخابات الدورية ترشيحاً وتصويتاً.

أما الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية فتشمل:
- الحق في الضمانات الإجتماعية.
- الحق في الحماية من الجوع، وضمان الغذاء محلياً وعالمياً.
- الحق في العمل، والحق في حرية اختياره بشروط عادلة مرضية، وحق الحماية من البطالة، والحق في الأجر المتساوي للعمل المتساوي.
- الحق في إنشاء والإنضمام إلى نقابات لحماية مصلحة.
- الحق في الراحة، وفي أوقات الفراغ، وتحديد معقول لساعات الأكل، والعطل الدورية المدفوعة الأجر.
- الحق في مستوى من المعيشة كافٍ للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته.
- حق الأمومة والطفولة في مساعدة ورعاية خاصتين.
- الحق في التعلم، والمراحل الأولى والأساسية منه مجانية وإلزامية.
- الحق في الإشتراك الحر في حياة المجتمع الثقافية وفي الاستمتاع بالفنون والمساهمة في التقدم العلمي والاستمتاع بنتائجه.

أمـا عن واجبات والتزامات المواطن فتشمل:
- احترام القوانين.
- دفع الضرائب.
- مسؤولية الدفاع عن الدولة ومواطنيها في حالات النزاع والحرب، أي واجب الخدمة العسكرية على سبيل المثال، إذا ما دُعي المواطن للتجنيد.
- احترام حقوق وحريات الآخرين.
- المشاركة في الإنتخابات.
- المشاركة في الشأن العام.

المواطنية في لبنان

في لبنان، يمكن القول بأنه قد تم تحوير المواطنية وتحريفها منذ الاستقلال إلى أن وصلت الأمور إلى الدرك السيء الذي وصلنا إليه الآن. لقد ظل مفهوم الوطن والمواطنية مشوشاً ومضطرباً، وتغلّب الإنتماء إلى منطقة أو طائفة أو زعيم طائفة على الإنتماء الوطني، وتكرّس ذلك بالممارسة اليومية في الحياة السياسية فغدا النائب في البرلمان مرجعية طائفية مناطقية في حين يعتبر الدستور اللبناني بأن النائب اللبناني هو نائب لكل لبنان وليس لمنطقة أو طائفة، ولكن يبقى تطبيق ذلك عملياً وميدانياً أمراً بعيد المنال لا سيما في ظل المحاصصة المذهبية والمناطقية.
ومن هنا تبرز أهمية التربية على المواطنية الحقّة والعلاقة بين تصحيح وتطوير المناهج التربوية وتطوير وتعزيز مفاهيم المواطنية لدى الشباب اللبناني، ولا يمكن أن يكون هناك شعور وطني سليم وصحيح من دون تربية صحيحة وسليمة.

 

الرئيسية | نشرة المواطن | مشاريعنا | مواقع مفيدة | إتصل بنا

our projects | about us | contact us

المركز اللبناني لتحفيز المواطنية علم و خبر رقم 215 / أد

Copyrights lcac-lb.org 2007 All Rights Reserved