|
من حقنا أن نعرف ماذا نأكل!
من يحمي أسواقنا من المنتجات الغذائية الملوّثة والفاسدة؟

تعود إلى الواجهة من حين إلى آخر قضية تلوث المواد الغذائية، أكانت مستوردة أو مصنّعة محلياً، أو التي لا تتمتع بالمواصفات الصحية اللازمة، لا سيما المعلبات والمنتجات الحيوانية من دواجن وأبقار وطيور، ما يؤثّر على صحة المستهلك. ومع انتشار الأمراض المتأتية من هذه الحيوانات والتي تُكشف تباعاً من جنون البقر وصولاً إلى انفلونزا الطيور، تصبح الحاجة ملحة إلى اتخاذ التدابير الآيلة إلى عدم غزو هذه الأمراض الأراضي اللبنانية وإن بشكل غير مباشر عن طريق استيراد المنتجات الحيوانية من الدول التي تعاني من هذه الفيروسات.
مع تطور المبادلات التجارية والمواصلات والتقنيات يخضع الغذاء لتأثيرات كثيرة إيجابية أو سلبية تفرض على المجتمعات والدول أن تكون جاهزة لها وإلاّ تحولت، والفقيرة منها خاصة، إلى مكبّ للنفايات للدول المنتجة بلا رادع سوى تحقيق الأرباح. وإذ تشدد الدولة اللبنانية عبر وزاراتها المختصة على أنها تتخذ جميع الإحتياطات لمنع انتشار الأمراض في لبنان من خلال الإستيراد من بعض الدول، تؤكد الجهات والجمعيات التي تُعنى بسلامة الغذاء أن السوق اللبنانية مليئة بالمواد الغذائية والحيوانية الفاسدة التي تُستورد من الخارج أو تلك المصنّعة في الداخل، نتيجة افتقار وزارة الزراعة للقوانين والقوائم التي تضم المواصفات اللازمة التي يجب أن تتمتع بها المنتجات الغذائية والحيوانية.
ومع الأخذ والرد وتحميل كل طرف المسؤولية للطرف الآخر لا بد من السؤال: من يحمي أسواقنا من المنتجات الغذائية الملوثة أو الفاسدة؟
وما هي الشروط والمواصفات التي تضعها وزارة الزراعة على المواد المستوردة، سيما الحيوانية منها؟
وكيف يتم التعامل مع المنتجات الحيوانية في ظل ما يُحكى عن انتشار مرض انفلونزا الطيور في الدول المجاورة؟
في البدء دعونا نتحدث عن الشروط التي تضعها وزارة الزراعة على المنتجات الغذائية والحيوانية المستوردة، ومنها حيازة التاجر على:
1- شهادة صحية من بلد المنشأ، مصدّقة من وزارة الزراعة وتحمل أختاماً صحيحة ومعروفة من الدول المصدّرة.
2- شهادة المنشأ الأصلية، إذ أن الوزارة ترفض إدخال أية بضاعة رُفضت في بلد آخر غير بلد المنشأ.
3- تأمين بوليصة شحن الباخرة التي تحمل البضاعة.
4- فاتورة بتكاليف الباخرة.
5- فاتورة بأسعار البضاعة، لأن السعر يعطي فكرة حقيقية عن الجودة التي تحملها المواد واللحوم المصدّرة.
وفي حال استوفى التاجر كل الشروط المطلوبة وسُمح له بإدخال بضاعته، تأمر الوزارة بفحص البضاعة في مختبر "الفنار" المعتمد من قبل الدولة اللبنانية، الذي يقوم بدوره بإعطاء نتيجة الفحص المخبري، وعلى الإثر يتم اتخاذ القرار، إما بتصريف المنتجات في السوق بعد التأكد من صحتها أو في حال ثبت أن النتيجة غير صالحة فيوصى إما بإعادة شحنها إلى البلد المصدّر أو بإتلافها.
وفي حال اتخذ التاجر قرار الإتلاف بعد تعذّر إعادة المنتجات الغذائية إلى مصادرها الأصلية، يُطلب إلى النيابة العامة القيام بعملية الإتلاف وتقع الأعباء المادية في هذه الحالة على صاحب البضاعة.
من الأسباب التي تؤدي إلى فساد المنتجات واللحوم، أو قلة جودتها، أن يعمد صاحب البضاعة إلى إطفاء البرادات عنها بهدف التوفير خلال فترة الشحن، التي قد تستغرق حوالى الخمسة عشر يوماً، ما يؤثر على جودة البضاعة. وقد تحافظ هذه البضاعة على صحتها، إلا أن نوعيتها تتغير عما هو منصوص عليه في العقد.
المعلوم أن عمليات الإتلاف التي تقوم بها وزارة الزراعة ليست دائماً كافية إذ أن ما يحصل من فحوص على المواد المستوردة لا سيما اللحوم المثلجة ليست كافية.
السوق مخترق بالمواد غير الصحية
في حين تنفي الجهات الرسمية أي حديث عن إدخال منتجات إلى لبنان سبق أن مُنعت في بلدان أخرى، تؤكد الجمعيات التي تُعنى بشؤون المستهلك أن السوق اللبناني مخترق بالمواد غير الصحية حيث يدخل إليها "ما هب ودب" حتى أصبح المواطن يتجه لشراء المنتجات ذات الماركات العالمية الموثوقة، ما يضطره إلى الدفع أكثر بسبب عدم وجود مواصفات وشروط تضعها الدولة في وزاراتها المعنية على الإستيراد من الخارج، أو حتى التصنيع المحلي.
ما يحلّ هذه المشكلة هو إقرار مشروع قانون لضبط عملية الإستيراد ضمن مواصفات معينة ومعتمدة دولياً، ولوضع شروط على الصناعة المحلية. وهذا الأمر يعطّله حال البلاد في ظل الأوضاع الراهنة.

مشاكل تصنيع الأغذية
ثمة في لبنان مصانع لا تحمل رخصاً قانونية من وزارة الصناعة، كما تغيب الإحصاءات الرسمية لمصانع الغذاء اللبنانية، حتى وزارة الصناعة تجهل الأرقام لأنها لا تحصي. لكن ثمة مصانع عليها علامات استفهام في مجالات الألبان والأجبان والطحينة والحلاوة وفي تربية الفرّوج وفي المياه المعبأة في غالونات، إضافة الى الكبيس والزيت والزيتون. والسؤال: ماذا بقي من الأغذية السليمة؟ وكيف يعرفها المواطن؟
مؤشر واحد يكفي: فالأسواق الأوروبية والأميركية أصبحت ترفض منتجات لبنانية كثيرة مصدّرة إليها لأنها لا تستوفي الشروط العالمية التي يتوجب توافرها، لكنّ المستهلك في لبنان يتناول هذه المنتجات بما تحمله من بكتيريات وأمراض.
المعروف أن معظم مصانع الغذاء قديمة والعمل فيها بدائي والدّولة لا تشجّع الإستثمار لتحسينها. والمشاكل تصيب أكثر ما تصيب 3 مشاكل رئيسية في صناعة الغذاء تطاول قطاعات الطحينة والحلاوة، الألبان ومشتقات الحليب، والمياه.
فعلى سبيل المثال وبعد أن كان لبنان يصدّر الطحينة والحلاوة منذ ما يزيد على 40 عاما إلى الدول الغربية، أصبحت هذه الدول تتشدّد حيال هذين المنتجين عندما بدأ مواطنوها استهلاك هذه المنتجات بكثافة مع زيادة شهرة المطبخ اللبناني، واكتشفت المختبرات الغربية فيها بكتيريا خطرة هي السالمونيلا وهي شديدة الضرر على صحة الإنسان تسبّب في الحالات العادية الإسهال والتقيؤ والحرارة المرتفعة، وإذا تكرر تناولها تؤدي إلى سرطان الأمعاء، بحسب أطباء الصحة.
بداية المعالجة
أوّل من تنبّه الى خطورة المشكلة الغذائية الصحية كان الإتحاد الأوروبي، وهو الشريك الإقتصادي الرئيسي للبنان. وبعد انخراط لبنان في اتفاقية الشراكة، درس الإتحاد الأوروبي مشروعاً رأى فيه أن الجودة والسلامة في الصادرات الغذائية من لبنان إلى أوروبا هما الأساس، ووضعهما سيئ في لبنان. فقدّم هبة بقيمة 15 مليون يورو بهدف تحسين مستوى جودة السلع والخدمات لتقديم غذاء سليم وآمن للمستهلك اللبناني، والمساعدة على زيادة الصادرات اللبنانية إلى أوروبا.
وقد بادرت وزارة الإقتصاد مع الإتحاد الأوروبي إلى وضع برنامج الجودة الذي يهدف إلى تأمين البنية التحتية للمختبرات الصحية التي تراقب نوعية الغذاء للتأكد من سلامته وجودته وصلاحيته للإستهلاك.
في لبنان مختبر واحد لديه اعتماد في مجالي الـMicro Biology والكيمياء هو معهد البحوث الصناعية. ومشكلة المختبرات ليست بقليلة، لأن ثمة سلعاً تصدَّر إلى الخارج تبعاً لفحوص تفيد بأنها سليمة، فإذا بها تُعاد وترفَض من مختبرات الخارج إذ تُكتشَف فيها جرثومات وبكتيريات.
لذا يتعامل الصناعيون مع المختبر المركزي التابع لوزارة الصحة في عين التينة، والمختبر التابع لوزارة الزراعة ومعهد البحوث الصناعية التابع لوزارة الصناعة الذي تتمتع شهادته بصدقية دولية عالية. لكن المشكلة في المختبر المركزي تكمن في نقص الموظفين، إذ أن الدولة لا توظّف كما أن فحوصاته مجانية مما يزيد عليه الضغط، فيستغرق الفحص ثلاثة أسابيع وهي فترة زمنية طويلة بالنسبة إلى صناعيّ يريد تصدير بضاعته.
وقد دفع تداخل الصلاحيات بين الوزارات المعنية بمراقبة جودة المنتجات الغذائية بالعديد من المهتمين إلى المناداة بإنشاء هيئة وطنية لسلامة الغذاء تكون مستقلة وتضمّ اختصاصيين يديرونها، ويشرف عليها مجلس مكوّن من الوزارات المعنية ومن القطاع الخاص. هذا الأمر سيؤدي تلقائياً إلى سحب صلاحيات الوزارات في مجال تقويم المخاطر وحصرها في يد متخصصين، في حين تظل الصلاحية التنفيذية أي إنزال المراقبين والفحوصات في أيدي الوزارات.
سلامة الغذاء ومسؤولية البلديات
إن دور أكثر من 3500 بلدية في لبنان على صعيد الإرشاد والرقابة له تأثير بالغ على سلامة الغذاء ونوعيته. وتكمن مسؤولية البلديات خاصة في الرقابة على الملاحم والأفران ومتاجر ومصانع المواد الغذائية. كما على الدوائر الصحية في البلديات مسؤولية في مراقبة طريقة عرض اللحوم والأجبان والألبان على قارعة الطريق، علماً أن عرض المأكولات في الهواء الطلق يشكّل مصدراً لتلوّثها.
سلامة الغذاء والزراعة
يمكن اعتبار المزارعين الحلقة الرئيسية في تأمين سلامة الغذاء، مع ذلك فهم لا يمتلكون المعلومات الصحيحة والكافية بما يخصَّ الأمراض والمبيدات واستعمالات الأسمدة. وقد وقع المزارعون في شِراك شركات المبيدات والأسمدة والبذور التي تديرهم كما تشاء مصالحها. ونتيجة ذلك تُظهر كل التحاليل التي تجري أحياناً في لبنان أو في الخارج وجود كميات كبيرة من رواسب المبيدات والأسمدة الكيميائية الخطرة في الإنتاج الزراعي. وهكذا يعيش المزارع على أرض تربتها ملوّثة، ويروي زراعته بمياه ملوثة ويغذّيها كيفما اتفق بالمبيدات والأسمدة والهرمونات المسموحة والممنوعة وسط غياب أي إرشاد زراعي أو رقابة، والمواطن يدفع بذلك أثماناً صحية واقتصادية كثيرة.
وبسبب غياب الرقابة الفاعلة فقد لجأ بعض المزارعين المحاذية أراضيهم لمجاري الأنهر، والتي تتميز بكونها مصباً للمياه الملوثة في أغلب المناطق اللبنانية، إلى الإستفادة من المياه الآسنة في هذه الأنهر واستخدامها في ري المزروعات المختلفة من خضار وفواكه بغية الحصول على محاصيل جيدة.
بالتأكيد هناك بعض المزارعين الذين يبذلون جهوداً كبرى لتأمين إنتاج خالٍ من الأسمدة الكيميائية أو المبيدات، لكن حجم المشكلة يبقى أكبر من أية جهود فردية.
سلامة الغذاء والإستيراد
فيما يخص الإستيراد يمكن التأكيد أن الكثير من المواد الأولية للصناعات الغذائية لا تخضع للمواصفات الدولية. وتدخل لبنان، شرعياً أو بالتهريب، كثير من السلع التي لا تخضع لأية رقابة أو لرقابة صورية.
أما المستوردون فهمّهم الأوحد تأمين أرباحهم عبر الإحتكارات المعلنة وغير المعلنة، فتدخل الكثير من المنتجات بدون أية مواصفات أحياناً ولا تجري التحاليل دائماً في مختبرات موثوقة.
وقد أدى كل هذا إلى إغراق السوق بمنتجات، جزء كبير منها ذو نوعية سيئة وبعضها يشكّل خطراً حقيقياً على الصحة العامة (ملونات، مبيدات رديئة، بذور معدلة وراثياً...) وبالرغم من الجهود الحكومية التي بُذلت على أكثر من صعيد، إلا أن سلامة الغذاء لا زالت خارج الإهتمام الكافي والمطلوب.
تلوث الأسماك

تراجعت المخاوف من احتمال تلوث الأسماك بفعل التسرّب النفطي الناتج عن قصف معمل الجية خلا حرب تموز 2006 بعد تأكيدات من مختلف الجهات الرسمية والمختصة بخلوّ الأسماك من أي آثار للتلوث. لكن منظر بعض الصيادين الذين يلتقطون الأسماك من مياه تلوثها مجارير الصرف الصحي يبقى منظراً شبه معتاد في لبنان. كما أن العديد من مراكب الصيد تصطاد السمك على مسافة قريبة من الشاطئ حيث تنتشر الملوثات والنفايات من كل نوع. السؤال هنا: كيف عاشت تلك الأسماك وعلى ماذا تغذّت؟ وما هي عواقب تناول مثل هذه الأسماك على صحة الإنسان؟
في النهاية فلا حلّ جذرياً لهذه المشكلة المتفشية، وإذا وُجدت حلول فهي أن يتنبه المواطن إلى مواصفات السلعة ووضع إسم المصنّع وعنوانه ومنشأ السلعة بالكامل وأن لا يكتفي بعبارة "إنتاج
لبنان".
وائل
حداد
|