|
مخالفات البناء:
نقص في التشريعات وتقصير في المعالجة
كثيرة هي المناطق التي توجد فيها مخالفات البناء في لبنان، وما فتئت محاولات تطبيق القوانين الخاصة بمنع قيام هذه المخالفات أو تسويتها، عبر القرارات الحكومية والبلدية المتلاحقة، تحاول القضاء على هذه الظاهرة المنتشرة في أكثرية المناطق اللبنانية، ولكن من دون نتيجة حقيقية. فلا تلبث المخالفات أن تختفي حتى تظهر من جديد في أمكنة أخرى أو حتى في نفس الموقع! مع العلم أن حوادث الإشتباكات بين المواطنين والقوى الأمنية الموكلة بقمع مخالفات البناء أصبحت منظراً معتاداً على شاشات التلفزيون خلال السنوات الأخيرة، أهالي يعترضون ويتصدون بالقوة للقوى الأمنية ونساء يقفون أمام الجرافات لمنعها من هدم البناء المخالف وأطفال يرشقون العناصر الأمنية بالحجارة والأخشاب!
فمن يتحمّل مسؤولية انتشار مخالفات البناء وهل يدرك المخالفون الخطر المحدق بالمباني الجديدة الهشة؟

إزدادت مخالفات البناء في لبنان بشكل ملحوظ خلال فترة الحرب الأهلية، إذ كانت الدولة عاجزة حينها عن قمع المخالفات في ظل الشلل الذي كان سائداً فيها. وخلال فترة الإحتلال الإسرائيلي للجنوب وما تسبب به من ازدياد حركة التهجير من تلك المنطقة إلى غيرها من المناطق وخاصة ضواحي بيروت، كانت النتيجة أن نسبة هذه المخالفات ازدادت في المناطق التي لجأ إليها النازحون وشكّلت لهم مكان استقرار جديد، بالإضافة إلى ذلك فقد ساهم النمو السكاني وازدياد الحاجة إلى مساكن جديدة في تفاقم حدة المشكلة.
كل أنواع المخالفات موجودة في لبنان، الأفقي منها والسطحي، بدءاً من زيادة الإستثمار أي البناء على مساحة أكبر من تلك التي يسمح بها القانون، مروراً بالتعدّي على الأملاك الخاصة أي البناء على أراضٍ يملكها أشخاص أو مؤسسات أو تعود إلى أوقاف، وصولاً إلى التعدّي على أملاك الدولة والمشاعات. فضلاً عن وجود مشكلة أخرى هي وجود مساحات كبرى من الأراضي والعقارات غير الممسوحة أو المفروزة بعد.
ولكن المشكلة الكبرى في هذا القطاع تبقى استمرار بعض المواطنين في البناء بشكل مخالف على رغم إدراكهم بأنهم يخالفون القوانين. الأسباب التي يقدّمها المخالفون لتبرير أفعالهم هي دائماً حاضرة: الفقر والحرمان وعدم توفير البديل من قبل الدولة للمواطنين المحدودي الدخل، لكن الفوضى في البناء يمكن تُعزى إلى سببين رئيسيين، تقصير الدولة في قمع مخالفات البناء وتطبيق القانون، إضافة إلى عامل الحماية الذي يتمتع به المخالفون من قبل أطراف حزبية أو سياسية. والملفت أن التعديات لا تطاول أملاك الدولة فحسب، بل تشمل أيضاً أملاك المواطنين.
تقصير الدولة لا يتوقف عند عدم متابعة تطبيق القانون، فالحديث عن مخالفات البناء يقود للسؤال: إلى متى سيظل المخطط التوجيهي الشامل للأراضي اللبنانية والذي يحدّد الإطار العام لاستراتيجية تنظيم المناطق على المدى الطويل طيّ الإهمال والنسيان؟
بدأ الحديث عن هذا المخطط منذ استحداث وزارة للتخطيط في عهد الرئيس فؤاد شهاب، وكل القوانين الصادرة عن التنظيم المدني ومجلس الإنماء والإعمار منذ تاريخه أوصت بضرورة المباشرة بإنجازه، لكن من دون جدوى. أُعيد العمل في المخطط إلى المجلس النيابي منذ عام 2002، ورُفع إلى مجلس الوزراء في عام 2005، وحتى اليوم لم يُحَل بعد إلى مجلس النواب لإقراره وتشريعه، ولا يبدو أن هذا الأمر سيكون قريباً بالنظر إلى الشلل الحاصل في عمل المجس النيابي والأزمات السياسية المتلاحقة في البلد. مع العلم بأن هناك حاجة ماسّة اليوم إلى تسريع إقرار المخطط التوجيهي الشامل، فعلى سبيل المثال وفي المناطق المتضررة من العدوان الإسرائيلي صيف العام 2006 لا تتوافر إفادات عقارية لنسبة كبيرة من الوحدات السكنية مما يساهم في تأخير إصلاح الأضرار في هذه الوحدات. ومن شأن المخطط الشامل تحديد نسبة الإستثمار في كل منطقة انطلاقاً من واقعها وحاجاتها ومستقبلها.
قانون تسوية مخالفات البناء
في عام 1994 صدر قانون لإضفاء الشرعية على مخالفات البناء التي حصلت منذ اندلاع الحرب وحتى ذلك التاريخ، سُمّي ذلك القانون بقانون تسوية مخالفات البناء. وقد نصت المادة الأولى منه على أن " تطبّق أحكام هذا القانون على جميع الأبنية وأجزاء الأبنية المنشأة خلافاً لقوانين البناء وأنظمته بين 26/3/1964 و31/12/1993". إلا أن المخالفات لم تتوقف حتى بعد صدور ذلك القانون والعديد من التعديلات التي تلته، مع أن القانون لم يعطِ الحق للأبنية المخالفة بتكرار المخالفة، أي إن التسوية تسقط في حالة تهديم المبنى المخالف مثلاً. والخطورة تكمن أن هذه المخالفات غالباً ما تكون غير متمتعة بشروط السلامة العامة، مما يجعل الأبنية الجديدة معرّضة للتضرر أو حتى الإنهيار في حال وقوع زلزال أو كارثة طبيعية.
المخالفات زادت بسبب قرار وزاري!
في 21 ايلول 2007 صدر قرار عن وزارة الداخلية مُنعت فيه قوى الأمن الداخلي من المبادرة إلى قمع مخالفات البناء على الأملاك الخاصة وحصر هذا الأمر بالبلديات والقائمقامين والمحافظين، من دون أن تتم استشارة البلديات التي تبيّن عجزها عن أداء هذه المهمة. تعليل هذا القرار كان انهماك المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بحفظ الأمن والنظام في البلاد وعدم قدرتها على متابعة هذا الأمر. لكن هذا القرار القاضي بحصر صلاحية قمع المخالفات على الأملاك الخاصة بالسلطات الإدارية فتح الباب أمام استنكارات من قبل البلديات بسبب عدم تمكنها من قمع المخالفات الحاصلة بإمكانياتها المحدودة.
ومنذ الأيام الأولى بعد صدور القرار، عمدت البلديات إلى رفع الصوت احتجاجاً، على اعتبار أنها لا تستطيع قمع مخالفات البناء في ظل عناصر ضئيلة جداً وغير مؤهلة للقيام بأعمال كهذه. حتى أن الأجهزة الأمنية أعدّت تقارير عن بدء المواطنين في مناطق مختلفة بالعمل في ورش غير مرخّصة. مما دفع بالوزير للعودة عن قراره يوم 29 تشرين الأول، والتعليل كان التيقّن من عدم قدرة البلديات على قمع المخالفات. وقد أشارت بعض الصحف اللبنانية إلى أنه في الفترة القصيرة الفاصلة بين القرارين، قامت المئات من روش البناء من دون ترخيص وفي مختلف المناطق.
وبعد صدور القرار الثاني كانت توجيهات من قيادة الدرك للقطعات الإقليمية بعدم الإصطدام مع المواطنين وعدم المبادرة إلى هدم أي مخالفة قيد الإنشاء، والسماح للمواطنين باستكمال ما بدأوا تنفيذه! لكن التوجيهات ذاتها شدّدت على منع إدخال مواد البناء إلى المناطق التي تشهد أبنية مخالفة والتشدد في قمع من يبادرون إلى البناء.
لا تزال مخالفات البناء قائمة على قدم وساق، ولا شك أن الأبنية المخالفة تشكّل خطراً على ساكنيها. ولكن المعالجات تبقى قاصرة في ظل عدم وجود قوانين كافية تحدّ من هذه الأعمال، ومع إصرار بعض المواطنين على ارتكاب المخالفات. فمتى يجتمع مجلس النواب ليصدر قوانين جديدة خاصة بتسوية مخالفات البناء؟ ومتى يتوقف المخالفون عن التعدي على الأملاك العامة وأملاك الغير؟
ربى
الحاج |