|
المرأة اللبنانية
تخضع لقوانين لا تعترف بالمساواة
شهر آذار هو شهر المرأة بامتياز، ففيه يقع عيد الأم وفيه يقع يوم المرأة العالمي. ويحفّز هذا الشهر على مناقشة قضايا المرأة التي تبقى مثار نقاش وجدال في المجتمع اللبناني، وفي المجتمع العربي الأوسع كذلك. وعلى الرغم من مظاهر الإنفتاح والتحرر المعروفة عن المجتمع اللبناني، فما زال على المرأة اللبنانية مصارعة بعض القوانين التي لا تمنحها الحد الأدنى من حقوقها المدنية العادلة. وهنا تنقسم الآراء حول دور الرجل في هذا الظلم، وأيضاً دور المرأة نفسها في ذلك.

تنص المادة السابعة من الدستور اللبناني على أن "جميع اللبنانيين سواء لدى القانون، يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الضرائب والواجبات العامة من دون فرق بينهم". إلا أن هذا الدستور لا ينصّ صراحة على المساواة بين المرأة والرجل، بل على العكس فغالباً ما نجد أن بعض القوانين يتضمن نصوصاً تنتقص من أهمية المرأة وتفرض أحكاماً تناقض مبدأ المساواة المنصوص عنه في الدستور.
ولكن بفضل جهود جمعيات وأفراد تُعنى بشؤون المساواة بين الجنسين فقد قطعت المرأة اللبنانية شوطاً مهماً في معركتها القانونية على طريق مساواتها مع الرجل، وكان آخر ثمارها إقرار الحكومة لنظام الكوتا النسائية في التمثيل السياسي. دعم الحكومة وإن أتى بتخفيض النسبة من 30% التي طُرحت في البداية إلى 20%، إلا أنه شكل خطوة جريئة وأنهى بذلك جدلاً قائماً منذ سنوات حول أحقية المرأة اللبنانية في تفعيل حضورها في المشاركة السياسية عبر نظام الكوتا. وكان قد سبق ذلك بأشهر تعيين سيدة لوزارة المالية، وهي تُعتبر من "الوزارات السيادية" في لبنان. غير أن هذه الإيجابيات لا تعني أن وضع المرأة أصبح مثالياً، إذ لا تزال ترتسم حول أوضاعها صورة ملتبسة بحيث تحمل جوانب إيجابية وأخرى سلبية.
وعلى رغم أن لبنان وقّع إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، إلا أنه بقي متحفظاً على المادة التاسعة منها التي تكفل المساواة بين المرأة والرجل في ما يتعلق بجنسية أبنائهم، وكذلك الحال في المادة 16 التي تلزم الدول الأطراف باتخاذ إجراءات مناسبة للقضاء على التمييز في كل الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات العائلية حيث تحفّظ بشأن الحق في اختيار اسم العائلة.
الإنخراط في الحياة السياسية
لا شك بأن المرأة في المجتمع اللبناني استطاعت منافسة الرجل في مهن لطالما كانت حكراً عليه لما تتطلبه من جهد بدني أو قوة جسدية، إلا أنها لا زالت إلى اليوم بعيدة عن مركز القرار السياسي ومشاركتها في هذا القرار تسجّل مراوحة في أفضل الأحوال، وحتى تراجعاً في أحيان أخرى. ففي حين ما زالت المرأة تحتل نسبة ضئيلة من المناصب القيادية في الإدارات العامة، تراجع عدد النساء البرلمانيات نتيجة انتخابات 2009 إلى أربع من أصل 128 نائباً، في حين كانت هناك ستّ برلمانيات في برلمان 2005. كما كان ملفتاً تراجع عدد الترشيحات النسائية للانتخابات النيابية نظراً إلى عدم وجود فرص حقيقية للمنافسة السياسية في ظل أجواء طائفية ومذهبية متوترة.
وكان الملفت كذلك أن انكفاء النساء عن الترشّح لم يرافقه تراجع في نسبة مشاركة النساء اقتراعاً، وهذا يدل على أن المرأة اللبنانية تتموضع أسوة بالرجل في الخنادق السياسية ذات الطابع الطائفي والمذهبي وهي لا تتردد في الإحتشاد في صفوف الجماهير المجيّشة في الإنتخابات مع أن أياً من القوى السياسية المتنافسة لم تشمل قضايا المرأة مباشرة في أجندتها السياسية.
أما في مجال السلطة التنفيذية فقد سجّلت السنوات الاخيرة نقلة نوعية، حيث عُينت سيدتان وزيرتان في الحكومة للمرة الأولى في لبنان في العام 2004 وللمرة الثانية في الحكومة الحالية، ولكن هذا الوجود يبقى وجوداً رمزياً للمرأة في الحكومات المتعاقبة عبر حقيبة واحدة أو اثنتين من أصل ثلاثين وزيراً.
وعلى صعيد البلديات، فعدد النساء اللبنانيات في المجالس البلدية لا يتعدى الـ 2%. ولا شك أن هذه النسبة الضئيلة هي التي دفعت بمجلس الوزراء مؤخراً إلى إقرار الكوتا النسائية بنسبة 20% في الإنتخابات البلدية. مع العلم أن البعض يرى هذه النسبة قليلة جداً خاصة وأن نسبة الـ 20% هي في اللائحة وكان الأجدى أن تكون هذه النسبة حصة في المقاعد البلدية وكذلك في المقاعد النيابية. بينما يعتبر رأي آخر أن فكرة الكوتا للنساء من أساسها هي مخالفة للديمقراطية الحقيقية وبالتالي يجب دفع المرأة للمشاركة في العمل السياسي بطرق أخرى.
وفيما لا يتردد البعض عن تحميل المرأة نفسها المسؤولية عن وضعها هذا متهماً إياها بالتقصير، يضعها آخرون في خانة المجتمع والتقاليد وذهنية ذكورية تكرّس الإجحاف السياسي والقانوني بحقّها.
الجنسية
يحصر القانون اللبناني رباط الدم بالوالد، وبناءً عليه لا تستطيع الوالدة اللبنانية منح جنسيتها لأولادها وتُحرم من أهم حقوقها الأصلية كمواطنة. ويُعتبر لبنانياً كل شخص ولد من أب لبناني أينما كان محل ولادته، لكن الوالدة اللبنانية لا تستطيع منح جنسيتها لأولادها ما يُعتبر انتقاصاً من حقوقها الأساسية كمواطنة ويظهر تمييزاً بحقها.
وهكذا فإن زواج اللبناني بأجنبية يعطيها الحق بالجنسية اللبنانية بعد مرور سنة، بينما لا تستطيع اللبنانية التي تتزوج بأجنبي أن تعطيه جنسيتها. كما يُحرم الأولاد من اكتساب جنسية الوالدة اللبنانية إذا كانوا بلغوا سن الرشد قبل وفاة والدهم. أما الأولاد اللبنانيون القاصرون لأم بقيت حية بعد وفاة الأب واتخذت التابعية اللبنانية يصبحون لبنانيين، بينما المرأة اللبنانية المتزوجة بأجنبي أو التي استعادت جنسيتها بعدما فقدتها باقترانها بأجنبي يُحرم أولادها من الجنسية اللبنانية. وبالتالي يبقى أولاد المرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي أجانب بحسب القانون ويسري عليهم ما يسري على الأجانب إذ لا يتمتعون بكثير من الحقوق السياسية والإجتماعية والمدنية. وإن غموض النص القانوني في هذا الشأن وتضارب اجتهادات المحاكم أدّيا إلى إعطاء المرأة الأجنبية في لبنان وضعاً أفضل من وضع المرأة اللبنانية.
وقد أشارت دراسة لأوضاع النساء المتزوجات من غير لبنانيين إلى وجود 18000 إمرأة لبنانية متزوجة من غير لبناني. ولفتت الدراسة إلى أن نسب النساء المتزوجات من سوريين هي 22% ومن فلسطينيين هي 21.7%، وهذه النسب تظهر انعكاساً للتركيبة الإجتماعية اللبنانية وتؤكد أن الممانعة في تعديل قانون الجنسية لا تقوم على معرفة حقيقية للوضع الفعلي القائم في البلاد بل إن المسألة هي ملف سياسي بامتياز وتتعدى الجانب الحقوقي للقضية.
العنف الأسري
تشير إحصاءات إلى تعرّض ثلث نساء لبنان للعنف بأشكاله المعنوية والجسدية، مما يتطلب جهوداً كبيرة لمواجهة هذه الظاهرة خصوصاً في ظل غياب مراكز للإيواء والحماية باستثناء بعض المؤسسات الإجتماعية.
الدراسات المتوفرة تذكر وجود ظاهرة العنف ضد النساء بأعداد كبيرة وتحديداً العنف الكلامي الذي يقلل من احترام المرأة، إلى جانب العنف الجسدي الذي لا يصرَّح عنه إلا في الحالات الكبيرة لأن البعض يعتبره بمثابة "فضيحة". كما أن العنف موجود في مراكز العمل وتحديداً من خلال التحرّش الجنسي والتمييز بين الرجل والمرأة في الأجر، وعدم تقدير مهارات المرأة وقدراتها.
وقد أظهرت دراسات على عينة من 300 إمرأة عام 2008 أن نسبة اللواتي يخضعن لعنف كلامي هي 87%، أما اللواتي يتعرضن لعنف جسدي فبلغت 68.3% وعنف نفسي فبلغ 90% وعنف جنسي 55%. الجدير بالذكر إحالة مشروع "قانون حماية النساء من العنف الأسري" إلى مجلس الوزراء تمهيداً لإقراره.
جرائم الشرف وأحكام الزنى
وفقاً لأحكام المادة 562 من قانون العقوبات، يستفيد الرجل من العذر المخفف إذا فاجأ زوجته أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنى المشهود أو في حالة الجماع غير المشروع، فأقدم على قتل أحدهما أو إيذائه بغير عمد. واللافت في هذا الإطار توافر التمييز والتجزئة في مقدار العقوبة للجرم الواحد، فهل يطبَّق النص إذا قتلت الإبنة أباها أو الأخت أخاها أو الزوجة زوجها؟
وهذه المادة برمتها تخالف إتفاقية إلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة التي تنص في الفقرة "ز" في المادة الثانية منها على"إلغاء كل الأحكام الجزائية التي تشكل تمييزاً ضد المرأة".
وفي فعل الزنى، يميز قانون العقوبات في أحكامه بين الرجل والمرأة. فتعاقَب المرأة الزانية سواء حصل فعل الزنى في المنزل الزوجي أو في أي مكان آخر، في حين لا يعاقَب الرجل إلا إذا حصل فعل الزنى في المنزل الزوجي، أي إنه عند ارتكاب الزنى من الزوج خارج المنزل لا يعاقَب إلا إذا اتخذ له خليلة جهاراً أي بصورة معتادة ومشتهرة. وتعاقَب المرأة المتزوجة إذا ارتكبت الفعل مرة واحدة وبصورة مستترة بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين، في حين تنحصر عقوبة الزوج بالحبس من شهر إلى سنة.
قانون العمل
تميز قوانين الموظفين والأجراء في بعض موادها بين الموظف والموظفة، وتلحق الغبن والإجحاف بحقّ الأخيرة خصوصاً بالنسبة إلى المساواة والحقّ في الإستحقاقات الأسرية. وهذا لا يتلاءم مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقرارات الدولية الداعية إلى تحقيق المساواة بين المرأة والرجل، والتي وقّع عليها لبنان، وعلى الأخص إتفاقية القضاء على أشكال التمييز ضد المرأة.
وإذا كان المشترع قد اعتبر في العام 1960 أن إعالة الأسرة ترتكز على الزوج فقط (إلا في حالات العجز أو الترمّل)، فهذه المقولة قد سقطت منذ زمن وأصبحت المرأة من خلال عملها شريكاً في تحمّل المسؤولية وشريكاً في بناء المجتمع وتطويره. وبناء عليه يجب رفع الغبن الواقع بحقّ الموظفة للإستفادة من التقديمات الإجتماعية المشروعة أسوة بالموظف. فالدولة اللبنانية تقتطع من راتب الموظفة شهرياً المبلغ ذاته الذي تقتطعه من راتب الموظف للمساهمة في تمويل صندوق التعاونية، وللموظفة الحقّ في الاستفادة من كامل الحقوق في ظل العدالة والمساواة اللتين كفلهما الدستور.

هذا وتعتري قانون العمل اللبناني الكثير من الشوائب والنواقص على صعيد التطبيق العملي والفعلي، منها على سبيل المثال عدم المساواة في دفع الرواتب والأجور إذ أن المرأة تعطى أقل من الرجل في بعض الوظائف، وعدم تنظيم علاقة العمل قبل نشوء عقد العمل، وعدم وجود قانون يمنع تحديد الجنس (ذكر أو أنثى) في الطلبات والإعلانات المتعلقة بعمل ما، مع الإشارة إلى أن البلاد الأوروبية تمنع تحديد جنس الشخص في الإعلانات التي تطلب أفراداً للعمل في مهنة ما.
مظاهر التمييز الإجتماعي
يعتقد الرجل الذي يتحمل وجوب تأمين المسكن الشرعي لزوجته أنه صاحب الحق في تقرير مبدأ بقاء زوجته في منزله أو عدمه، حتى إذا ما نشب خلاف بينهما يبادر إلى طردها من المنزل غير عابئ بما إذا كان لديها أهل أم لا. يُشار إلى أن المالك لا يستطيع طرد المستأجر كلما طاب له ذلك. فطالما أن الزوجة غير مطلقة قانوناً، يجب أن تبقى في منزلها إلا في حال ارتكابها فعل الزنى عند المسلمين. أما عند المسيحيين فالطلاق لا يتم بالإرادة المنفردة للرجل وهو لا يصبح منجزاً إلا بحكم صادر عن المراجع المختصة وما يرافق ذلك من بطء في الإجراءات القانونية.
وفي الإغتصاب والتحرش فلعل أخطر شيء هو مبدأ التزام الصمت من الضحية في الكثير من الحالات، خوفاً من الفضيحة التي تطال المرأة وتطال عائلتها القريبة والبعيدة على حد سواء. والتحقيق في مثل هذه الجرائم يستلزم مراعاة خاصة لدواعي السرية والتعتيم الإعلامي، إضافة إلى انعدام الوسائل والمقومات اللازمة لاستدعاء طبيب شرعي إلى المخفر، كما أن لا دور لأنثى في مجال الشرطة لمراعاة المرأة ضحية الإغتصاب مما يشكل عنفاً آخر على المرأة المغتصبة التي لا تجد من يستمع إليها بأذن متجرّدة ونظرات غير متهمة وشامتة.
ومن الأمور اللافتة أيضاً جواز الإقدام بشتى الوسائل (الخطف، والعنف، والخداع) على خطف فتاة بقصد الزواج. فإذا عُقد زواج صحيح بين مرتكب الإغتصاب وبين المعتدى عليها توقَف الملاحقة بحقّ المعتدي سنداً لأحكام المادة 521 عقوبات. وحتى وإن كان صدر حكم بالقضية فيعلَّق تنفيذ العقاب الذي فُرض على مرتكب الجرم، وغالباً ما يسعى المجرم إلى الزواج بالضحية بغية التهرب من العقاب. كما يعمد الأهل إلى تزويج الضحية بالمجرم طمساً للفضيحة، وهذا عنف آخر يمارَس على الضحية، لأنه غالباً ما يكون المعتدي قد خطط لكل ذلك لإرغام المعتدى عليها على الزواج به بعدما رفضته. لذا يكون الزواج معتبراً صحيحاً، مشوباً بالإكراه أي أنه باطل قانوناً لانتفاء عنصر الرضا وبناء عليه يجب ملاحقة الفاعل ومعاقبته سواء تم زواج صحيح أم لم يتم، لأن هذه المادة تشجع على العنف وعلى الجماع بالقوة والإعتداء والخطف وتخالف أبسط حق من حقوق الإنسان.
إن اللامساواة بين المرأة والرجل تبدأ مع الزواج ولا تنتهِ مع انحلاله. وفي هذا الإطار مسائل كثيرة ومتشعبة تضع المرأة في موقع الدونية، منها ضيق المجال في طلب الطلاق أو البطلان أو فسخ الزواج قياساً على المجال المعطى للرجل في هذا الإطار. وفي حال استيفاء شروط البطلان أو الفسخ تبرز مشكلة الرسوم القضائية والأتعاب المكلفة، هذا فضلاً عن بطء سير الإجراءات القضائية وكثيرة هي نقاط التمييز أبرزها أنه يتعين على المرأة في بعض الحالات دفع مبلغ معين من المال للحصول على الطلاق، وتفويض طلاقها لغير الزوج، وطلاقها بإرادة منفردة حتى من دون علمها ومن دون سبب وجيه في بعض الأحيان وحتى من دون المثول أمام القضاء، ومنح الزوج الحق في أن يعيدها للمنزل الزوجي متى أراد هو ومن دون رضاها في حالة الطلاق الرجعي.
ملامح إيجابية
حتى ولو أن الطريق أمام إنهاء كافة أشكال التمييز لا تزال طويلة، فلا يمكن إنكار أن المرأة في لبنان استطاعت أن تنافس الرجل في قطاعات جمّة. ففي الإعلام مثلاً، تفوّقت نسبة المذيعات والإعلاميات على تلك للإعلاميين الذكور، وتوصّلت إلى أن تفرض شخصيتها وثقافتها بشكل واضح. كذلك برزت قدرة المرأة بوصولها إلى درجات عليا من التحصيل العلمي وتبوئها مراكز مهمة في مختلف القطاعات حتى المالية منها مثل المصارف حيث أحرزت النجاح في مجالها لقدرتها على إدارة المال وتنظيمه.
إلى ذلك دخلت المراة حلبة المنافسة مع الرجل من باب المهن التي تتطلب جهداً جسدياً أيضاً وانخرطت في مجالات تصليح السيارات والعمل في معامل البناء وقيادة سيارات الأجرة.
وضع المرأة في العالم العربي
إن استعراض وضع المرأة ومكانتها في العالم، يُظهر بأن مقاربة أوضاعها في الشرق الأوسط تختلف عن مقاربتها في باقي الدول. فقضية المرأة العربية من القضايا المهمة والحساسة لكل من التيارين العلماني والإسلامي على حد سواء. وفي العالم العربي تختلف أشكال التمييز ضد المرأة، لكن المتفق عليه في أوساط المجتمع المدني ولدى الجمعيات والمنظمات المعنية بقضايا المرأة أن كل أشكال التمييز ما تزال تمارَس بحقّها من المحيط إلى الخليج، رغم أن المجالس التشريعية العربية كانت قد صادقت، وتحفّظ بعض منها، على الإتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة.
وعلى الرغم من ارتقاء المرأة في بعض الدول العربية إلى مصافّ الرجال كدخولها المهم في المعترك السياسي في العراق مثلاً حيث ثبّت الدستور الجديد حق المرأة بدخول البرلمان بنسبة 25 في المئة، كما عُيّنت وزيرات في حكومات العراق المتعاقبة منذ العام 2003 وشاركت في البعثات الدبلوماسية وقيادة الكثير من المنظمات، وكذلك تعديل قوانين الأحوال الشخصية في معظم الدول العربية بحيث أصبح للمرأة الحق في إعطاء جنسيتها لأولادها وأصبح لها الحق في حضانة أطفالها لسن متأخرة وغيرها من القوانين، إلا أنها لا تزال تواجه تمييزاً سافراً في بعض القوانين البديهية.
يوم المرأة العالمي
تاريخ يوم المرأة العالمي أمر مثير للاهتمام. بدأ الإحتفال بهذا اليوم في نهاية القرن التاسع عشر، حيث بدأت حركة نسائية في أوروبا وأميركا الشمالية للمطالبة بظروف عمل أفضل وللاعتراف بالحقوق الأساسية للمرأة بما في ذلك حقها في التصويت. ويعتقد كثيرون أن فكرة الإحتفال بيوم عالمي للمرأة نبعت من الإضرابات التي قامت بها العاملات في صناعة النسيج في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية في عامي 1857 و1909 والتي صادفت يوم الثامن من آذار، وذلك احتجاجاً على ظروف عملهنّ السيئة.
في حين أن أخريات يؤكدن أن أول إشارة رسمية ليوم المرأة العالمي ظهرت في مظاهرة نظمتها ناشطات إشتراكيات مطالبات بالحق في التصويت في 28 شباط 1909، وقد أُطلق على هذه التظاهرة يوم المرأة ثم تكرر الإحتفال بهذا اليوم سنوياً في الولايات المتحدة الأميركية وفي هذا التاريخ. وفي المؤتمر النسائي العالمي الذي عُقد في كوبنهاغن في الدنمارك في العام 1910، طالبت إحدى الناشطات من ألمانيا باستلهام التجربة الأميركية وتخصيص يوم عالمي للاحتفال بالمرأة تقديراً لنضالها في جميع أنحاء العالم لنيل حقوقها لا سيما حق التصويت، واعتباره مناسبة لتوحيد كافة نساء العالم في الدفاع عن حقوقهن من أجل السلام والتقدّم.
تم الإحتفال للمرة الأولى بيوم عالمي للمرأة في العام 1911 في كل من الدنمارك وألمانيا والنمسا وسويسرا في 19 آذار. وفي العام الذي تلاه احتفل العديدون بهذه المناسبة ولكن في أوقات مختلفة في شهري شباط وآذار. لكن الإحتفال بهذه المناسبة لم يشمل العالم إلا بعدما اعتمدها أول مؤتمر للإتحاد النسائي الديمقراطي العالمي والذي عُقد في باريس في العام 1945 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وفي العام 1977 وبعد عامين من الإحتفال بالسنة الدولية للمرأة في 1975 تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يدعوالدول إلى تخصيص يوم 8 آذار للاحتفال بحقوق المرأة والسلام الدولي، وذلك وفقاً للتقاليد والأعراف التاريخية والوطنية لكل دولة. وقد عُرف هذا اليوم فيما بعد اختصاراً باليوم العالمي للمرأة، وأضحى مناسبة عالمية لمناقشة واستعراض الإنجازات التي تحققت لها والطموحات المستقبلية من أجل المزيد من التقدم. وفي بعض الدول يتم تخصيص أسبوع كامل للاحتفال بالمرأة بحيث يمثل يوم 8 آذار قمة هذه الإحتفالية.
واقع ومحطات
الحقيقة أن المرأة وعلى الرغم من الإهتمام البالغ بها من جانب الأمم المتحدة والمنظمات المدنية المعنية بحقوقها إلا أنها لم تستطع الحصول على حقوقها كاملة، وذلك يختلف من دولة إلى أخرى وما زالت تعاني من مظاهر عديدة للتمييز ضدها في أغلب الدول. وقد أكد تقرير عن أوضاع المرأة في العالم، وضعته نساء من 150 دولة أن الأحوال المعيشية لكثير من النساء في العالم أصبحت أكثر قسوة خلال السنوات الماضية منذ وافق مؤتمر الأمم المتحدة للمرأة والسكان الذي عُقد في بكين على العمل من أجل المساواة والتنمية الإقتصادية. ويسجل التقرير بعض المؤشرات على ذلك التمييز حسب الأمم المتحدة، فأغلبية الفقراء في العالم (60 إلى 70 بالمئة) هم من النساء، وهنّ أيضاً يشكلن ثلاثة أرباع الأميين في العالم البالغ عددهم 876 مليوناً، وما زالت المرأة ممثلة تمثيلاً ناقصاً إلى حد بعيد في الجمعيات الوطنية والمحلية وتشغل في المتوسط 14 في المئة فقط من المقاعد في البرلمانات الوطنية. وفي كثير من دول العالم تتعرض النساء لأشكال مختلفة من العنف مثل الإتجار بهنّ والإغتصاب والحرمان من الميراث والإكراه على الزواج.
وفي سياق الحديث عن أهم المحطات التي عاشتها قضايا المرأة، لا بد من القول إن مؤتمر المرأة العالمي الرابع الذي عُقد في بكين في العام 1994 مثّل حدثاً عالمياً في تفاعلاته وتداعياته ومناقشاته حول قضايا المرأة. فالوثيقة التي خرج بها المؤتمر تحولت إلى ما يشبه مرجعية عالمية في هيئة الأمم المتحدة التي رعت المؤتمر وحضّرت له وأشرفت عليه. ومنذ ذلك الوقت دخلت قضية المرأة في الإهتمام العالمي، وأصبحت في دائرة المراقبة دولياً من خلال المعايير والتوصيات والقرارات التي صدرت عن مؤتمر بكين. وشُكلت لجان نسائية في كثير من الدول بما في ذلك في العالم العربي والإسلامي لمتابعة ومعرفة مدى الالتزام بتلك التوصيات والتقدم في تطبيقها، وتحكيمها كقواعد سلوكية وحقوقية في التعامل مع المرأة. وعُقدت لهذا الغرض العديد من الإجتماعات والندوات والحلقات المتخصصة المحلية والإقليمية، إلى أن جاء مؤتمر نيويورك الذي عُقد في العام 2000 بدعوة من الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت عنوان "المرأة عام 2000: المساواة بين الجنسين والتنمية والسلام في القرن الواحد والعشرين"، لمتابعة مقررات مؤتمر بكين ومعرفة مستويات التقدم العالمي في تطبيقات تلك المقررات، والتزام الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بها، ومناقشة برنامج عمل يتضمن اثني عشر بنداً حول شؤون المرأة والأسرة، بالإضافة إلى بلورة صيغ عملية لأهداف مرحلية لها جداول زمنية لغرض التقدم التدريجي والمتصاعد في معالجة المشاكل التي تقف أمام تحسين حياة المرأة وتقدمها الإجتماعي.
إن هدف رفع الظلم عن المرأة ورفع العنف الجسدي، المعنوي، القانوني والإقتصادي عنها هو لإقامة التوازن في مجتمع يعتقد فيه الرجل، مهما كانت طائفته، أن الشرائع السماوية قد فُصّلت على مقاسه ومزاجه. لذا، لا بد من السعي إلى إزالة كل أشكال التمييز في النصوص القانونية التي تجيز إباحة العنف، الأمر الذي يجد جذوره في الثقافة الشعبية المرتبطة بالقراءة الخاطئة للتعاليم الدينية، وصولاً إلى القوانين الوضعية المتأثرة بثقافة المحيط الشرقي الذكوري الطابع. من هنا ضرورة التغيير في الذهنية الذكورية في السلطة وفي بعض البيئات الإجتماعية. كما أنه على المجتمع ككل الإنتفاض وإيصال صوته من أجل التغيير وهنا تكمن أهمية الحركة النسائية بشكل خاص من أجل انتزاع حقوق النساء وتحسين أوضاعهنّ.
|